الثلاثاء, يناير 6, 2026
Google search engine
الرئيسيةاخبار عامهمن المشاريع العملاقة إلى الأداء القابل للقياس: عام 2026 يعيد ضبط مشهد...

من المشاريع العملاقة إلى الأداء القابل للقياس: عام 2026 يعيد ضبط مشهد البنية التحتية في الشرق الأوسط

بقلم: فيديريكو جوستوس
الرئيس التنفيذي – الشرق الأوسط وجنوب آسيا، مجموعة إيچيس (Egis)

مع دخول عام 2026، يتجه الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر تطلبًا في مسيرته التنموية. فبينما طغت ضخامة الطموح على العقد الماضي، سيكون العقد المقبل عنوانه الدقة، والأداء، والقيمة طويلة الأمد. لم تعد مشاريع البنية التحتية وبناء المدن تُعامل كعناوين لافتة بحد ذاتها، بل باتت تُقيَّم كمحافظ متكاملة يُنتظر منها أن تحقق في آن واحدتنقلًا أكثر كفاءة، وإنتاجية أعلى، ومرونة أكبر، وخفضًا للانبعاثات الكربونية. هذا التحول سيكون القصة الأبرز في عام 2026.
وانسجامًا مع هذا التوجه، بدأت مؤسسات التنفيذ الرائدة بالفعل في إعادة تشكيل نماذج عملها. فعلى سبيل المثال، تجاوزت مجموعة إيچيس أهدافها المالية لعام 2026 قبل موعدها بعامين، محققة إيرادات بلغت 2.164 مليار يورو في 2024، بزيادة سنوية قدرها 14%، مع سجل طلبات قياسي بقيمة 4 مليارات يورو، إلى جانب تقدم ملحوظ في التحول الرقمي والهندسة المتوافقة مع متطلبات المناخ. هذه النتائج تعكس تحولًا إقليميًا وعالميًا واضحًا: من التركيز على الحجم إلى التركيز على نتائج قابلة للقياس وعالية الأداء.
ولا تزال زخم السوق قويًا. فمن المتوقع أن ينمو قطاع إنشاءات البنية التحتية في الشرق الأوسط من نحو 204 مليارات دولار في 2025 إلى قرابة 266.7 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.51%. وفي جنوب آسيا، يشهد قطاع البناء توسعًا سريعًا أيضًا، إذ قُدّرت قيمته بنحو 1.03 تريليون دولار في 2024، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل يقارب 5.8% سنويًا حتى 2028. هذا النمو لا يمثل مجرد امتداد لدورات سابقة، بل يعكس التزامات هيكلية بالتنويع الاقتصادي، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية للبنية التحتية الموثوقة في تعزيز التنافسية الإقليمية. ويبرز هذا التسارع كذلك في جنوب آسيا، ولا سيما في الهند، حيث يُقدَّر حجم قطاع البنية التحتية بنحو 190.7 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 280.6 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8%.
مجتمعةً، تؤكد هذه المسارات واقعًا إقليميًا مشتركًا في عام 2026: فالبنية التحتية لم تعد مجرد وسيلة لاستيعاب النمو، بل أداة لإعادة تشكيل النماذج الاقتصادية نحو خدمات أعلى قيمة، وترابط تجاري أعمق، وأنظمة حضرية أكثر مرونة وجاهزية للتغير المناخي. وهناك ثلاثة مجالات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة: شبكات التنقل، والتنمية الحضرية المستدامة، والتحول في قطاعي الطاقة والصناعة.
ويستحق قطاع الطيران تسليط الضوء بشكل خاص ضمن منظومة التنقل في 2026، إذ باتت المنطقة تنظر إلى النقل الجوي كنظام اقتصادي متكامل مرتبط بالسياحة والخدمات اللوجستية والتجارة وتنافسية المدن. فمشاريع توسعة المطارات في دول مجلس التعاون، واستراتيجيات المراكز الجوية الجديدة، وقدرات الشحن الجوي، أصبحت مترابطة بشكل متزايد مع شبكات النقل متعددة الوسائط، والمناطق الحرة، وأهداف اقتصاد الزوار. أما المرحلة المقبلة، فستركز بقدر ما تركز على المباني الجديدة على الكفاءة التشغيلية وتجربة المسافرين، مع اهتمام أكبر بالإدارة الرقمية للمطارات، وتحسين زمن التشغيل، وخفض الانبعاثات في العمليات الأرضيةوهي عوامل ستحدد دور المطارات في دعم أهداف التنويع الاقتصادي.
وتتجلى أمثلة هذا التحول القائم على الأداء في أنحاء المنطقة. فقد دعمت إيچيس توسعة مباني الركاب 1 و2 في مطار الملك خالد الدولي من خلال الاستشارات الرقمية والاستعداد التشغيلي، كما لعبت دورًا محوريًا في مشروع مترو الرياض، حيث أشرفت على تصميم وبناء 60% من الشبكة، بما في ذلك محطات حائزة على جوائز مثل محطة قصر الحكم. ويعكس إعادة تشغيل مونوريل مركز الملك عبدالله المالي (KAFD) كيف باتت أصول التنقل تُحسَّن وتُفعَّل، لا أن تُبنى فقط.
الجديد في 2026 ليس بروز هذه الأولويات، بل الطريقة التي سيطالب بها الحكومات والمستثمرون بأن تتكامل معًا. فمشاريع التنقل ستُقيَّم بشكل متزايد بناءً على مستوى التكامل وجودة الخدمة، لا على الحجم وحده. والتنمية الحضرية ستُقاس بقابلية العيش، وإمكانية التحديث، والاستعداد المناخي. أما قطاعا الطاقة والصناعة، فسيخضعان لمعادلة مزدوجة تجمع بين التحول وضمان الأمن، بحيث يتوسع خفض الانبعاثات دون المساس بالموثوقية.
ولا شك أن المملكة العربية السعودية تمثل محرك النمو الأكبر في المنطقة، إلا أن عام 2026 قد يشهد ترتيبًا أدق للأولويات. فمن المتوقع أن يرتفع حجم سوق البناء في المملكة من 104.8 مليار دولار في 2024 إلى نحو 174.4 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.7%. وتشكل البنية التحتية بالفعل الحصة الأكبر من المشاريع الوطنية، ما يؤكد أن النقل والمرافق وأنظمة المدن تقع في صميم تنفيذ رؤية 2030. وقد يكون التطور الأهم في 2026 منهجيًا أكثر منه رقميًا، مع تركيز متزايد على تسلسل المشاريع بما يضمن الجاهزية التشغيلية، وتعزيز الانضباط التجاري والتنفيذي، وتوسيع نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإدارة المخاطر والحفاظ على وتيرة التنفيذ.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فستواصل مسارًا مختلفًا نسبيًا لكنه لا يقل تأثيرًا. إذ يُتوقع أن ينمو قطاع البنية التحتية في الدولة بمعدل سنوي مركب يقارب 5% بين 2025 و2030، مدعومًا باستثمارات مستمرة في النقل والطاقة وتحديث المدن، بينما يُتوقع أن ينمو سوق البناء ككل بنحو 4.2% سنويًا حتى 2030. وفي 2026، قد تميل الفرص أكثر نحو تحديث الأصول القائمة وزيادة الكثافة العمرانية، بدلًا من التوسع في المشاريع الجديدة كليًا. وتزداد مكانة الإمارات كمختبر للتميز التشغيلي، حيث أصبحت إدارة الأصول الرقمية، والصيانة التنبؤية، والعقود القائمة على الأداء متطلبات أساسية لا إضافات اختيارية.
أما قطر، فسيكون أفق 2026 فيها أكثر استقرارًا لكنه لا يخلو من الأهمية. إذ يُقدَّر حجم قطاع البنية التحتية بنحو 33.4 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 41.3 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.3%. كما يُتوقع أن ينمو سوق البناء بوتيرة مماثلة ليصل إلى نحو 64.3 مليار دولار بحلول 2030. وبعد دورة كأس العالم، سيتميز عام 2026 بمرحلة توطيد مدعومة بتطوير نوعي يستهدف تحسين النقل، وتعزيز المرونة البيئية والمائية، وتنويع القاعدة الصناعية. وسيكمن التحدي الرئيسي في تعظيم القيمة المستخرجة من الأصول القائمة مع تكييفها مع أنماط الطلب الجديدة.
ويظهر هذا التوجه بالفعل من خلال المخطط العام للنقل العام في قطر، الذي أعدته إيچيس، ويعيد رسم استراتيجية التنقل الوطنية طويلة الأمد عبر مختلف الوسائط. كما تعكس برامج أخرى، مثل إعادة تأهيل مكبات النفايات والاستشارات الخاصة بتحويل النفايات إلى طاقة، البعد المرتبط بالاقتصاد الدائري الذي سيطبع المرحلة المقبلة من استثمارات البنية التحتية في قطر.
وعبر هذه الأسواق الثلاثة، تبرز مجموعة من القضايا المشتركة التي ستزداد أهمية في 2026. أولها التركيز المتنامي على أداء دورة الحياة الكاملة للأصول، حيث باتت الحكومات تهتم أكثر بمدى كفاءة الأصول وسلامتها وقدرتها على العمل بتكلفة معقولة على مدى عقود، ما ينقل حسابات المشاريع من التركيز على الإنفاق الرأسمالي فقط إلى الاهتمام بتكاليف التشغيل والموثوقية والمرونة. وثانيها إدماج متطلبات خفض الكربون في عمليات الشراء، فبعد أن كان ذلك طموحًا، أصبح اليوم شرطًا قابلًا للقياس، مع تقارير الكربون الكامن، واستراتيجيات المواد الدائرية، ومتطلبات التكيف المناخي. أما ثالثها فهو الإنتاجية، إذ تشكل أسواق العمل وسلاسل التوريد والمهارات المتخصصة عناصر حاسمة. وفي 2026، لن يكون اللجوء إلى الهندسة الرقمية، والبناء المعياري، والتخطيط الذكي للمراحل بدافع الابتكار فقط، بل بدافع الضرورة.
لقد أثبت الشرق الأوسط بالفعل قدرته على إنجاز تحولات عالمية النطاق. أما التحدي الحاسم في 2026، فهو تطوير نماذج التنفيذ بالسرعة التي تواكب حجم الطموح. فالمنطقة تدخل مرحلة سيُقاس فيها النجاح بمدى تكامل الأنظمة، وقدرة المدن على العمل تحت ضغط الحرارة وشح الموارد، ونماذج طاقة تدعم الصناعة وتفي في الوقت نفسه بالالتزامات المناخية. وهذه ليست تحديات هندسية فحسب، بل تحديات حوكمة وتسلسل وتشغيل. وفي عام 2026، ستكون المشاريع الأهم هي تلك التي لا تُبنى فقط، بل تُبنى لتؤدي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات